العالم

من ساحة نفوذ إلى قوة سيادية.. كيف حول اليمن جغرافيته إلى سلاح استراتيجي في البحر الأحمر؟

لم يعد اليمن ساحةً لتصفية حسابات الآخرين، بل تحوّل إلى طرف سيادي يفرض معادلته الخاصة في أهم ممر مائي في العالم. المعادلة اليوم باتت واضحة: السيادة في مواجهة الوصاية، والسلام العادل في مواجهة العدوان، والتصعيد مقابل التصعيد، والحصار مقابل الحصار.

وما يجري في الساحل الغربي والبحر الأحمر لا يمكن عزله كحدث عسكري عابر، بل هو فصل من معركة القرار اليمني وموقع اليمن الطبيعي كحارس لباب المندب.

العمليات التي تنفذها صنعاء هي عمليات دفاعية محددة الأهداف، مرتبطة بشكل مباشر بسياق العدوان والحصار، وتتوقف فور توقفه ورفع الحصار عن الشعب اليمني. أما التحرك في المناطق الساحلية، فهو ليس إلا ممارسةً لحق أصيل في فرض السيادة الوطنية وقطع الطريق أمام الأطماع التي تهدد أمن اليمن واستقراره.

صنعاء لا تحمل مشروعاً توسعياً ضد أحد، بل تطرح معادلة للجميع: سلام عادل ومشرف، وحسن جوار قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. ومن يريد أمن البحر الأحمر، عليه أولاً أن يحترم أمن اليمن وسيادته.

باب المندب.. عقدة الحسابات الإسرائيلية

هنا يكمن جوهر القلق الإسرائيلي. فالكيان الصهيوني يتعامل مع باب المندب ليس كممر عابر، بل كشريان حيوي لأمنه وتجارته وحركته العسكرية.

ظهور اليمن كقوة سيادية فاعلة تتحكم في هذا المضيق، يعني نهاية حقبة كانت تُدار فيها هذه الجغرافيا عبر تحالفات بحرية أجنبية لخدمة مصالح تل أبيب. ما يزعج الاحتلال ليس مجرد تعطيل سفينة، بل ولادة يمنٍ قادر على فرض معادلة ردع حقيقية في منطقة ظلت لعقود حكراً على القوى الكبرى.

باب المندب اليوم لم يعد مجرد مضيق، بل أصبح جزءاً من معركة مستقبل البحر الأحمر، ورسالة واضحة بأن حرية المناورة الإسرائيلية لم تعد بلا ثمن.

كماشة البحار: تكامل هرمز وباب المندب

التحول الاستراتيجي الأكبر هو ما يمكن تسميته “كماشة البحار”.

مضيق هرمز في الشرق يتحكم ببوابة الطاقة العالمية من الخليج، وباب المندب في الجنوب الغربي يتحكم ببوابة البحر الأحمر نحو المحيط الهندي وقناة السويس. عندما يصبح هذان المضيقان ضمن معادلة إقليمية واحدة متكاملة، فإن التأثير يتجاوز الدول ليضرب قلب التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والطاقة.

الفكرة ليست في تطابق الحركة، بل في تكامل التأثير. هرمز وباب المندب يشكلان فكي كماشة تضغط على كل من يحاول احتكار القرار البحري وفرض الهيمنة.

اليمن يتعامل مع باب المندب ليس كجغرافيا معزولة، بل كجزء من معادلة بحرية كبرى تتقاطع فيها قضية اليمن مع قضية فلسطين ومصالح المنطقة كلها، لتعيد تعريف الردع الاقتصادي والاستراتيجي.

لقد سقط رهان الحسم العسكري بعد سنوات من الحرب. لا التفوق الجوي حسم المعركة، ولا الحرب الاقتصادية كسرت الإرادة، ولا آلة الدعاية استطاعت تزييف وعي الشعب. على العكس، أنتجت هذه المواجهة الطويلة واقعاً جديداً، أصبحت فيه صنعاء أقدر على الربط بين الجبهة البرية والمعادلة البحرية والاقتصادية.

والخلاصة التي يجب أن يفهمها الجميع: الجغرافيا التي استُخدمت طويلاً للضغط على اليمن، تحولت اليوم إلى أهم أوراق قوته الجيوسياسية. ومن يقرأ باب المندب بمعزل عن البحر الأحمر وهرمز وفلسطين، فإنه لا يرى الصورة كاملة.

المصدر: وكالة تسنيم

قد يهمك أيضًا :-

باب المندب.. البوابة الجنوبية للبحر الأحمر التي تحكم طريق التجارة العالمية وتشعل حرب النفوذ الدولي

Trumpapalooza.. ترامب يجمع حزبه في دالاس بحدث غير مسبوق قبل انتخابات الكونغرس

مفاوضات واشنطن وطهران.. ترامب يفتح باب الدبلوماسية الأخيرة ويُبقي يده على “الزناد”

عاجل: هجوم حوثي واسع على أرامكو ومطار أبها يشعل أسعار البرنت – ماذا حدث في جيزان؟

ترامب: إيران تريد عقد اتفاق ولا خيار آخر أمامها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى